عنوان الكتاب: قصيدة البردة مع شرحها عصيدة الشهدة

القران العظيم لتتعب نفسك وتجعلها في حالة تقرب الهلاك، ثم كانت عادته عليه الصلاة والسلام بعد هذه الاية انه يقوم بعد ثلثي الليل يتهجد، ثم اعلم! ان المفسرين قالوا: كانت صلاة التهجد فرضا له عليه الصلاة والسلام لا لامته بقوله تعالى: ﴿ فَتهَجدۡ بهِۦ نَافِلَةٗ لَّكَ ﴾الاية [الاسراء: ٧٩] فكان هذا من خصائصه صلى الله تعالى عليه وسلم، ثم انّهم قالوا: انّ التهجد سنة لامته عليه الصلاة والسلام كيف وقد قال عليه الصلاة والسلام: ركعتان يركعهما العبد في جوف الليل الاخير خير له من الدنيا وما فيها ولولا ان اشقّ على امتي لفرضتهما[1]، وفي حديث اخر: ما زال جبرائيل يوصيني بقيام الليل حتى ظننت ان خيار امتي لا ينامون[2] ثم انّهم قالوا: انّ التهجد من اربعة الى اثني عشر، وقال بعضهم من اثنين الى اثني عشر ثمّ انّهم اختلفوا في انّ التهجد هل يطلق على قيام الليل كله او لا، والاصح عند الخادمي على ما ذكره في "شرح الطريقة" ما يكون بعد النوم، فان قيل: لم قدم الناظم الفاهم هذا المدح من مدائحه عليه السلام على غيره؟ قلت: اشارة الى انّ هذه الخصلة الحميدة اشرف الخصال واكرم الفعال مع ما في هذا المدح من التوبيخ لامته من انّه عليه الصلاة والسلام كان يعبد ربه غاية العبادة ويطيع له غاية الاطاعة مع رفعة جاهه وعلو منصبه حتى قيل له: حين ورمت قدماه المحترمتان اتتكلف وقد غفرلك ما تقدم من ذنبك وما تاخر، فقال: افلا اكون عبدا شكورا[3] اي: على ما انعم ربي علىّ من المغفرة مع ايمائه عليه الصلاة والسلام في ذكر لفظ العبد الى انّه لا بد له من القيام بوظائف العبودية والمبالغة في اداء شكر حقوق الربوبية، وانّكم ايّها الامّة مع كونكم مختلطين بالمعاصي والذنوب بل بترك اوامر علام الغيوب لا تعبدون الله وتنامون من المساء الى الصباح كانّكم مبشّرون بالجنة والكوثر والفلاح، فهيهات ما تظنون والله خلقكم للعبادة وانّكم لا تعلمون، فان قيل: لم قدم من بين عباداته عليه الصلاة والسلام احياء الليالي؟ قلت: اقتداء بالنظم الكريم لانه تعالى كُلَّما ذكر في القران الصوم قدم عليه الصّلاة والسّلام لانّ قيام الليالي افضل العبادات لانّ الليل


 



[1]     "فردوس الأخبار" للديلمي، باب اللام، الحديث: ٥٤٤٤، ٢/٢٢٧.

[2]     "كنز العمال"، كتاب الصلاة، حرف الصاد، الحديث: ٢١٤٢١، ٧/٣٢٥.

[3]     "صحيح مسلم"، كتاب صفة القيامة، باب إكثار الأعمال، الحديث: ٢٨١٩، صـ ١٥١٤.




إنتقل إلى

عدد الصفحات

310