عنوان الكتاب: قصيدة البردة مع شرحها عصيدة الشهدة

١٩      فَاصْرفْ هَوَاهَا وَحاذر انْ توَلِّيَهُ      انَّ الْهَوٰى مَا توَلَّى يُصْمِ اوْ يَصِمِ

 

لمّا كانت النفس كالطفل في قبول التربية والانقطاع عما يحبه شرع الان في الامر بتربيتها فقال: ½فاصرف... الخ¼، الفاء فصيحة اي: اذا عرفت حال النفس الامارة بانك ان تركتها على حالها تامر بالسوء والفحشاء، وان ربيتها تقبل التربية كالطفل فاصرفها ولا تتركها على حالها، ½اصرف¼ امر من ½صرف يصرف¼ بمعنى امنع، وقيل: بمعنى غير، فعلى الاول مصدر ½هوِي يهوى¼ من باب ½علم¼ بمعنى الميل والالتذاذ بالشهوات؛ اذ النفس اذا خليت وطبعها تميل الى الشر لا الى الخير لانها امّارة بالسوء، وعلى الثاني المصدر بمعنى المفعول اي: مهويها كما في قوله:

هَوَايَ مَعَ الركْب الْيَمَانِينَ مُصْعِد            جنِيب وجثمَانِي بمكَّةَ مُوثقُ

فالمعنى غير محبوب النفس السيء الى المحبوب الحسن في الشرع، وتقدير الكلام اصرفها عن هواها، او اصرف عن النفس هواها، و½حاذر¼ امر بمعنى احذر، وصيغة المفاعلة للمبالغة، و½ان توليه¼ ½ان¼ مصدرية، و½تولية¼ بالنصب مضارع من ولاه بالتضعيف اذا جعله واليا او بمعنى التقلد والالتزام او بمعنى الغلبة، وهي بصيغة الخطاب للمخاطب الذي جرده من نفسه في المطلع، وضمير المفعول فيه راجع الى الهوى لكونه مصدرا، والمصدر يجوز فيه التانيث والتذكير وقوله: ½انّ الهوى¼ علة الامر بالحذر اي لان الهوى ففيه ترتيب قياس تقريره هكذا: الهوى يلزم لك الحذر من ان توليه لانّ الهوى ما تولى يصم او يصم، وكل شيء شانه كذا فيلزم لك الحذر من ان توليه، ينتج الهوى يلزم لك الحذر من ان توليه. و½ما¼ في ½ما تولى¼ شرطية زمانية بمعنى: ½كلما¼ او بمعنى ½ان¼ الشرطية، و½تولى¼ فعل ماض والضمير راجع الى الهوى اي: كلّما كان هوى نفسك واليا عليك او ان كان هوى النفس غالبا وواليا عليك يصم من ½اصمى يصمي¼ يقال: ½اصمى الصيد¼ اذا قتله في مكانه اي: يهلك ويقتل حذف منه الياء علامة للجزم لانه مجزوم بـ½ما¼ الشرطية وقوله: ½او يصم¼ كلمة ½او¼ للعطف وهو يجيء لمعان كما قاله الاصوليون: انّه في الاكثر يجيء للشك او للتشكيك وقد يجيء للاباحة والتخيير نحو جالس الفقهاء او المحدثين، وقد يجيء بمعنى ½بل¼ كقوله تعالى: ﴿ فَهِيَ كَٱلۡحجارةِ اوۡ اشَد قَسۡوَةٗۚ[البقرة:٧٤] وقد يجيء بمعنى ½حتى¼ كقوله تعالى: ﴿ لَيۡسَ لَكَ مِنَ ٱلۡامۡر شَيۡءٌ اوۡ يَتوب عَلَيۡهِمۡ﴾ [ال عمران: ١٢٨] وقد يجيء بمعنى ½الى¼ نحو: لالزمنك او تعطيني حقي، وقد يجيء بمعنى ½الا ان¼ اذا وقع بعدها مضارع منصوب، ولم يكن قبلها مضارع كذلك كقول امرئ القيس:

فقلت لهُ لا تبكِ عَيْنيكَ انَّما           تحاوِلُ مُلكا او تموت فَتعذرا

وما وقع هاهنا فهو بمعنى الشك كما لايخفى. وقوله: ½يصم¼ مضارع من وصمه اذا جعله ذا عيب حذف مفعولهما للضرورة اي: يصمك ويجعلك ذا عيب في الناس، ثم ان بين الفعلين اعني: يُصْم ويَصِم جناسا تاما كما لايخفى.

 




إنتقل إلى

عدد الصفحات

310